مع بداية انتفاضة الأقصى المباركة عام 2000، وخلال تجمع حاشد للجماهير الغفيرة من سكان مدينة غزة بجوار مقر السرايا الأمني، قام السيد إسماعيل هنية بمخاطبة الألوف المؤلفة الملتهبة والمتشوقة للجهاد، فقال أول ما قال: نخاطب الدول العربية والعالم الإسلامي، إن لدينا الرجال والقدرة على المواجهة، فلا نريد منكم إلا السلاح، فهتفت الجماهير من خلفه بقوة "هات سلاح وخذ أرواح"، السيد إسماعيل هنية في ذلك الوقت لم يكن رئيساً للوزراء، بل كان أحد القيادات البارزة للانتفاضة عن حركة حماس.
هذه الحادثة استرجعتها بالتزامن مع مناشدات قيادة المقاطعة في رام الله وتوسلاتهم لاستقدام قوات عربية إلى قطاع غزة، وللأسف الشديد لم تخرج مناشداتهم باستقدام القوات العربية من أجل تحرير فلسطين وفتح بيت المقدس، أو لرفع المعاناة عن شعب غزة وفك الحصار الجائر، وإنما جاءت للتخلص من كابوس حماس الذي عرَّاهم وكشف سوءاتهم، فخرجت مطالبتهم هذه لتقوم القوات العربية بتصفية المجاهدين وكسر شوكتهم التي تؤرق الكيان، ظانين في قرارة أنفسهم أن القوات العربية ستستجيب لهم وستنجر إلى مربعهم الأسود الخياني.
والمتابع الفطن يدرك أن قيادة المقاطعة أصبحت تلجأ لأساليب خبيثة وغير شريفة منذ حسم غزة العسكري في 14/6/2007 لتصفية المقاومة في غزة، مثل الحصار وقطع الكهرباء والاستقواء بالجيش الإسرائيلي، وحملات العصيان المدني، وقطع رواتب الموظفين وتشجيع أعمال الفلتان والتفجير، بالإضافة لما تقوم به الأجهزة الأمنية التابعة للمقاطعة في الضفة الغربية من اعتقالات وتنسيق أمني مع جيش الاحتلال جهاراً نهاراً بدون أدنى خجل أو حياء.
ورغم كل ما سبق إلا أن هذه الخطوة تدل على مدى التردي والترنح السياسي الذي أصاب المقاطعة ومن يحكمها في رام الله، فأفكارهم الشيطانية أوحت لهم بشق العصا وإرباك العلاقة الفلسطينية العربية، من خلال إلقاء حجر استقدام القوات العربية إلى غزة، وسوَّل لهم عقلهم المريض أن حماس ستقع أمام خيارين أحلاهما مر؛ الأول قبول استقدام قوات عربية، وبذلك تفقد سلطتها الشرعية القائمة على الانتخابات والمقاومة، والخيار الثاني رفض القوات العربية، فتتسع الفجوة والهوة بين حماس والأنظمة العربية، وتسوء العلاقة ويزيد الحصار، وهذا كله مكرٌ واهن، حتماً سيبور!
الغريب أن مطالب عباس ومن حوله يتعارض مع مبادئ سنَّها الراحل ياسر عرفات، وأجمعت عليها القوى الفلسطينية على مر العقود الماضية، وهي عدم السماح لأحد بالتدخل في الشئون الفلسطينية الداخلية، وأن كل المطلوب من الدول العربية والإسلامية مساعدة لوجستية لا أكثر ولا أقل.
وبصراحة شديدة، فإن تجربة القوات العربية في حروب فلسطين كانت تجربة مُرَّة وفاشلة، وأدت إلى ضياع 80% من هذه الأرض في عام الـ 48، والى باقي فلسطين في الـ 67، ولهذا فإن أي استقدام لقوات امن عربية لأرض فلسطين لن يكون في خدمة القضية، خصوصاً وإن جاءت هذه القوات لا لتحرر فلسطين من اليهود بل لإسقاط الحكم المقاوم والمجاهد الفلسطيني، فهنا تتضاعف الخطورة وتزداد الكارثة.
لهذا ليس المطلوب اليوم من الدول العربية استقدام قواتها الأمنية، ولا تحريك الجيوش والتمركز في غزة، بل المطلوب اتخاذ قرار مصيري برفع الحصار عن القطاع، وفتح معبر رفح، ومد غزة بالوقود والنفط والمال والسلاح، فنحن في غزة العـــزة قادرون على إقامة مشروعنا الفلسطيني بدون تحميل الأنظمة العربية عبئا كبيرا.
ومع ذلك فإن تم استقدام قوات عربية فإنهم لن يعاملوا بالطبع كقوات احتلال، بل هم إخوة وأحباب وأشقاء، وستفتح لهم الأذرع العسكرية والمقاومة ذراعيها للتطوع في فصائل المجاهدين، لتحرير فلسطين، وسينقلب السحر على الساحر، ليتحول سلاحهم وجنودهم أداة طيِّعة في خدمة مشروع المقاومة والتحرير.









0 التعليقات
إرسال تعليق